أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

230

شرح مقامات الحريري

وضلّت ناقة لأعرابيّ في ليلة مظلمة ، فأكثر في طلبها ، فلم يجدها ، فلما طلع القمر وانبسط نوره وجدها إلى جانبه ببعض الأودية ، وقد كان اجتاز بموضعها مرارا فلم يرها لشدّة الظلام ، فرفع رأسه إلى القمر ، وقال : [ البسيط ] ما ذا أقول وقولي فيك ذو خطر * وقد كفيتني التّفصيل والجملا إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا * أو قلت زانك ربّي ، فهو قد فعلا ومما قيل في ذمّه : عربد بعض المجّان على القمر ، فقال : واللّه إنك لتفتّت الكتّان ، وتغير الألوان ، وتصفّر الأسنان ، وتخثّر الأبدان ، وتسدّد الآذان ، وتفضح السّكران ، وتظهر الكتمان وتقلق الصبيان ، وتبيض الأرجوان ، وتلحس الزعفران ، وتهزل الحيتان ، وتمحق الأدمغة بالنقصان . وقال ابن المعتز يذمه : [ الكامل ] يا سارق الأنوار من شمس الضّحى * يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي أمّا ضياء الشمس فيك فناقص * وأرى حرارة نارها لم تنقص لم يظفر التّشبيه فيك بطائل * متسلخ لونا كلون الأبرص قوله : الحجرين ، أي الذهب والفضة . وقيل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام . نادم : صاحب ، والنّديم الصاحب على الخمر . المكافآت : المجازاة . المآل : المرجع . ذات اللهب : صاحبة النار ، يعني جهنّم . يقتحم : يترامى فيها ، وهذا من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّي لأخذ بحجزكم عن النار ، وأنتم تقتحمون فيها ، كما تقتحم الفراش والجنادب » « 1 » . الخزن : الجمع . البدع : الحدث لم يكن ثم كان ، وقد ابتدعت الشيء : أحدثته ، وسقت الناس إلى فعله . وخط : اختلط ، وقد وخط الشيب الشّعر ، إذا خالطه وفشا فيه . وتؤذن : تعلم . شمسك بالمغيب : نفسك بالذهاب . تنيب : ترجع وتتوب . تهذب : تخلّصه من العيب . والمعيب : الكثير العيب . يرشد : يهدي ويدلّ الطريق . [ الدنيا ومما قيل فيها ] ونذكر هنا شيئا مما قيل في الدّنيا موافقة للحريريّ ، ثم نعود إلى ذكر الشيب : ومن خطبة قطريّ بن الفجاءة في ذم الدنيا : ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا ، وأعدّ عديدا ، وأوضح آثارا ، وأكثر جنودا ، وأعدّ عتادا ، وأطول عمادا ؛ تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد ، وآثروها أيّ إيثار ، وظعنوا

--> ( 1 ) روي بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الرقاق باب 26 ، ومسلم في الفضائل حديث 17 ، 18 ، والترمذي في الأدب باب 82 ، وأحمد في المسند 1 / 390 ، 424 ، 2 / 244 ، 312 ، 540 ، 3 / 361 ، 392 ، 5 / 40 .